إذن: فاصمد لكلام هؤلاء، إذن: (فاثبت أُحُد)، واصبر على نقدهم وتشويههم وتجريحهم وتحقيرهم، وكن كالصخرة الصامدة المهيبة تتكسر عليها حبات البرد، لتثبت وجودها وتعلن صمودها، وقدرتها على البقاء.
إنك إن أصغيت لكلام هؤلاء وتفاعلت به حققت أمنيتهم الغالية في تعكير حياتك وتكدير عمرك، ألا فاصفح الصفح الجميل، ألا فأعرض عنهم "وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ" (النحل: 127).
إن نقدهم السخيف ترجمة محترمة لك، وبقدر وزنك يكون النقد الآثم المفتَعَل.
لا تطلب المستحيل
إنك لن تستطيع أن تغلق أفواه البشر، ولن تستطيع أن تعقد ألسنتهم؛ لكنك تستطيع أن تدفن نقدَهم وتجنيهم بتجافيك لهم وإهمالك لشأنهم، واطراحك لأقوالهم "قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ" (آل عمران: 119).
وكِلْمَةِ حاسد من غير جُرْم سمعتُ فقلت مُرِّي فانفُذِيني
وعابوها عليَّ ولم تعبني ولم يندى لها أبدًا جبيني
***
حسدوا الفتى إن لمن ينالوا سعيه فالناس أعداء له وخصومُ
كضرائر الحسناء قُلْنَ لوجهها حسدًا وبغيًا إنه لدميمُ
***
وشكوتَ من ظلم الوشاة ولم تَجد ذا سؤدد إلا أُصيبَ بِحُقَّدِ
لا زلت سِبْط الكرام مُحَقَّدًا والتافه المسكين غير مُحَقَّدِ
إنك تستطيع أن تصب في أفواه هؤلاء خَرْدلاً بزيادة فضائلك، وتربية محاسنك، وتقويم اعوجاجك.
إن كنت تريد أن تكون مقبولاً عند الجميع، محبوبًا لدى الكل، سليمًا من العيوب عند العالم، فقد طلبت مستحيلاً، وأمَّلت أملاً بعيدًا، ألا يكفيك أن الواحد جل في علاه، القهار تباركت أسماؤه، الكامل تقدست آلاؤه، يقول: "يسبُّني ابن آدم وما ينبغي له ذلك، ويشتمني ابن آدم وما ينبغي له ذلك، أما سبه إياي -تعالى الله في عليائه- فإنه يسب الدهر وأنا الدهر أقلب الليل والنهار، وأما شتمه إياي فإنه يقول: إني اتخذت صاحبة وولدًا وأنا الله لم أتخذ صاحبة ولا ولدًا"، وهذا هو الله جل في علاه، ورسولنا صلى الله عليه وسلم، عندما بلغ الكمال البشري سُبَّ وشُتِمَ وهُجِيَ وقيل له: ساحر، وشاعر، وكاهن، وكذاب، ومجنون، فنزل عليه "فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلاً" (الحجر: 85) "فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ" (المعارج: 5)