الدعاء على من يظلمك طقس تمارسه باستمرار.. في بيتك حينما تلومك زوجتك على شيء لم تفعله فتبرطم مثلما يفعل الرجل الحكيم.. تسألك في تشكك عما تقوله فترد بابتسامة مشرقة: "بادعي لك طبعا يا حبيبتي، ربنا يخليك ليّ"!!
في الطريق تكثر دعواتك، ومنذ أن قالها "إسماعيل يس": "روح يا شيخ، الله يخرب بيتك" لم تعد تكف عن قولها طيلة الوقت.. تقولها لشرطي المرور الذي يسجل نمرتك لأسباب واهية.. تقولها في الزحام، في أقسام الشرطة، في المصالح الحكومية، في كل مكان تقريبا تخرج حارّة من قلبك "الله يخرب بيوتكم" رغم أنها مخروبة جاهزة!!
في العمل تنهمر دعواتك على الرؤساء.. على زملائك الذين لا يكفون عن المكائد من أجل الركوب فوق كتفيك في هذه الغابة التي يسمونها الحياة.
أما الدعاء لمن ظلمك فلا يقدر عليه غير صفوة البشر وعلى رأسهم الأنبياء.. نبينا "محمد" صلى الله عليه وسلم قابل إيذاء قومه بالدعاء لهم.. كان يعلم ما لا يعلمون، وبقلب الأب الحنون الذي يتمزق من أجل أبنائه رفع أكف الضراعة إلى ربه: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون".
الشيء المذهل هو الامتنان للظالم -وليس الدعاء له- لأنه بوسعه أن يظلم أكثر.. لا يحدث هذا إلا في مجتمعات القهر حينما يطول الظلم إلى حد إفساد الفطرة وتشويه الروح.. حينما تم اعتقال "صافي ناز كاظم" مع بعض الناشطين في بداية السبعينيات أدهشها جدا ثناء المعتقلين الحار على العهد الجديد.. وتلك الكلمة التي تكررت أكثر من اللازم: "كتر خيرهم، حبسونا بس"!! ثارت وهاجت وماجت: "كيف يمتن سجين لسجانه؟".. قالوا: "احنا كنا فين وبقينا فين؟ نسيتِ السحل والتعذيب الذي كان يحدث في السجون سابقا؟".. ولم تقتنع أبدا "صافي ناز كاظم" بأن عليها أن تشكر سجانها لأنه اكتفى باعتقالها ولم يعذبها!!
......................
في قصته المدهشة يحكي الكاتب الإنساني العظيم "أنطون تشيكوف" عن مربية الأطفال التي استدعاها سيدها قائلا:
- لقد اتفقنا على ثلاثين روبلا في الشهر..
- أربعين.
- : كلا، ثلاثين.. هذا مسجل عندي.. كنت أدفع دائما للمربيات ثلاثين!! لقد عملت لدينا شهرين.
- شهرين وخمسة أيام.
- بل شهرين بالضبط.. هذا مسجل عندي.. إذن تستحقين ستين روبلا، نخصم منها تسعة أيام آحاد (فأنت لم تعلمي الطفل في أيام الآحاد) ثم ثلاثة أيام أعياد لذلك سأخصم اثني عشر روبلا.
تضرج وجه المربية، وعبثت أصابعها بأهداب الفستان، ولكنها لم تنطق بكلمة.
- وكان الولد مريضا أربعة أيام ولم تكن هناك دروس.. وثلاثة أيام كانت أسنانك تؤلمك فسمحت لك زوجتي بعدم التدريس بعد الغذاء.. نخصم سبعة روبلات أخرى.
احمرت عين المربية، وامتلأت بالدمع وارتعش ذقنها وسعلت بعصبية وتمخطت ولكنها لم تنبس بكلمة!! فاستطرد قائلا:
- كسرت فنجانا وطبقا.. نخصم روبلين رغم أنهما أغلى من ذلك ولكن يعوض علينا ربنا!! وبسبب تقصيرك تسلق الولد الشجرة ومزق سترته، نخصم عشرة!! وبسبب تقصيرك أيضا سرقت الخادمة حذاء، ومن واجبك أن ترعي كل شيء فأنت تتقاضين راتبا وهكذا نخصم أيضا خمسة.. وفي 10 يناير أخذت مني عشرة روبلات.
- لم آخذ.
- ولكن ذلك مسجل عندي.
- طيب، فليكن.
- من واحد وأربعين نخصم سبعة وعشرين، الباقي أربعة عشر!!
امتلأت عيناها بالدموع وطفرت حبات العرق على أنفها وقالت بصوت متهدج:
- أخذت مرة واحدة.. أخذت من حرمكم ثلاث روبلات، لم آخذ غيرها.
- حقا؟ وأنا لم أسجل هذا عندي، نخصم من الأربعة عشر ثلاثة، الباقي أحد عشر.. ها هي نقودك يا عزيزتي.
ومد يده بالنقود فتناولتها بأصابع مرتعشة، وهمست:
- شكرا.
فانتفض واقفا وقد استولى عليه الغضب.. وراح يتساءل لماذا تشكرينني؟ قالت: على النقود، قال: ولكني سرقتك، نهبتك، سلبتك، فعلام الشكر؟
قالت في مسكنة: لأن غيرك لم يعطوني شيئا.
قال في غضب، وهو يعطيها الثمانين روبلا كاملة: ليس غريبا ألا يعطوك مادمت تقبلين بالظلم؟ لماذا أنت عاجزة إلى هذا الحد؟ لماذا تسكتين عن الظلم؟ هل يمكن أن تكوني مغفلة إلى هذا الحد؟
ويبقى سؤال "تشيكوف" حاضرا ينتظر الإجابة: لماذا نقبل بالظلم؟ لماذا نسكت عنه؟ ولماذا نحن مغفلون إلى هذه الدرجة؟