ذات مرة لفت سمعي أن المؤذن يخطئ في الإقامة، فهو يرفع المنصوب، ويجرّ المرفوع، وبعد انتهاء الصلاة، اقتربت منه وهمست له بملاحظتي هذه، فما كان منه إلا أن قال في غضب:
إنت هتعلمني؟!
طبعاً أصابني الخرس من جرّاء إجابته، وكدت وقتها أخبره برأيي في أن كل من "هبّ ودبّ" يقوم بالتبرع بقطعة أرض، و"بكام ألف" يقوم ببناء مسجد، لكي يضمن توظيفه من قبل وزارة الأوقاف، حيث "إن فاتك الميري، اتمرغ في ترابه"، لذا ستجد من المألوف أن ينتشر عدد كبير من المساجد في القرية الواحدة الصغيرة، وفي كل واحد تجد قلة من المصلين!!
صار الدين تجارة، و"سبوبة" للمواطنين الذين ضاقت بهم السبل، وليس هذا بمبرر لهم، بقدر ما هو توضيح لظروف الحياة الصعبة "واهو منه شغل، ومنه الصلاة جماعة في المسجد!"..
طبعاً كدت أصرخ بهذا في وجه مقيم الشعائر هذا، لولا صغر سني، وقلة إدراكي، ثم إن موضة المساجد التي تبنى كل خمسة أمتار لم تكن تنتشر وقتها...
فإذا ناقشت أحدهم في موضوع البناء المتكرر للمساجد تجد الآذان قد احمرّت، وأحدهم يصرخ: يا أخي إنت مش عارف إن اللي يبني مسجد ربنا يبني له بيتا في الجنة!!
طبعاً كلام لا غبار عليه، ودور العبادة مهمة جداً لترسيخ العلاقة بين العبد وربه، والناس أيضاً، ولهذا السبب كان بناء المساجد خطوة مهمة، لكن الأكثر أهمية هنا أن يمتلئ المسجد الكبير بالمصلين، فإذا زاد العدد يمكن توسعته، أو بناء مسجد آخر في ناحية أخرى من البلد.. حيث إن الموضوع ليس موضوع بناء مسجد فقط.. بل أن تكون هناك حاجة إليه.. ما معنى أن يصلي قلة لأداء الفرض لمجرد أنهم يعملون بالمسجد؟!! أليس من الأجدى أن يهتمّ الخطيب بترسيخ مفاهيم الصلاة في المسجد جماعة، وغرس هذا في الجماهير؟
طبعاً لا أحد يستمع إليك، وإذا سقت حججك وأدلتك فأنت متحذلق، ولا تعرف شيئاً!!
وأذكر أن الشيخ "محمد الغزالي" قال إن على الذي تعوّد الذهاب كل عام للحج، أن يكفّ عن فعل ذلك -حيث إن مرة واحدة في العمر تكفي- وليتبرع ببناء صيدلية أفضل وأجدى، أو ليساعد شاباً يريد الزواج!
هذا هو فقه الأولويات، وليس الموضوع موضوع تطبيق الشرع وحسب، لابد أن نفهم لماذا؟!
أعرف رجلاً سافر لأداء فريضة الحج منذ أسابيع، وفور سفره أحضر أولاده النقاشين لكي يرسموا صورة للكعبة على البيت، وتحتها جملة مشهورة "حجّ وزار بيت الله الحرام، وزار قبر النبي عليه الصلاة والسلام"!!!
صارت عادة لا فكاك منها، فإذا سألت أحدهم –مثلاً- عن السبب فستجد إجابات مائعة بين "وأما بنعمة ربك فحدث"، وبين أن يهمهم الجميع بلا إجابة شافية، فإذا استفهمت أكثر:
- إنت مالك؟ واحد حجّ وخلاص.. إنت هتحاسبه.. دي حاجة بينه وبين ربنا.
جمييييييييييييييل.. إذن فلماذا الفخر الأجوف هذا، ومن أدرى الذي حجّ أنه قد قبلت حجته؟ ألا يفسد الرياء العبادة؟!!
وليس أدلّ على هذا من أنك إن أخطأت ولم تقل "يا حاج فلان" فأنت من المغضوب عليهم، وقد ارتكبت خطيئة لا تغتفر، وكأنك لا تقدّر أو تحترم النقود التي أنفقها الحاج، والدعاية -ولا مؤاخذة- التي بينت وأعلنت وأذاعت أداءه الفريضة الخامسة!!
لا أحد يريد منك أن تنقد أو تعلن رأيك...
الإسلام يطلب منا أن نفكر، وأن نعمل عقولنا، وهو -أي التفكير- ليس ترفاً، بل هو فريضة كما يقول "العقاد" في كتابه..
طبعاً لا أحد يقبل منك أن تتناقش معه.. قل "حاضر" ونفذ وحسب!!
ناقشني، ومعك حججك وبراهينك وأنا على استعداد أن أغير رأيي، وأن أقتنع برأيك..
لكن -من فضلك- لا تطلب مني ألاّ أناقش أو أجادل.. لا تطلب مني أن أخرس!