الحذاء!
أحد عوامل ارتفاع سن الزواج في مصر!

من أهم الأمور التي تدخل في الحسبان عندما تقوم الفتاة بتقييم العريس هي حذاؤه، فإذا كان يبدو على حذائه ارتفاع السعر، وكان الحذاء نفسه نظيفا لامعا، أمكن النظر في أمره!
لكن من الصعب جدا الحفاظ على نظافة الحذاء في الشوارع المصرية، وفي الغالب فإن الحذاء يكون قد اتسخ بالفعل أثناء هبوط السلالم إلى الشارع! وربما كان هذا الأمر أحد أسباب ارتفاع سن الزواج في مصر!
يُلبس الحذاء في الأساس لحماية القدم من أخطار الطريق، وعلى مدى السنوات تحولت الأحذية إلى جزء مهم من ملابس الإنسان، وأصبح الصنّاع يتفننون في طرق صناعتها. هناك اليوم أحذية من الجلد -وهي النوع الأكثر شيوعا- وأحذية من القماش وأخرى من التيل والبلاستيك والمطاط، وأحذية برقبة وبدون وبكعب عال وبدون وبرباط وبدون. وهناك أحذية متخصصة لأغراض التسلق والتزلج على الجليد وممارسة الباتيناج ولغيرها من الأغراض. وفي هولندا قديما كانوا يرتدون الأحذية الخشبية الثقيلة لتحمي أقدامهم من البلل، وفي الصين يجعلون البنت الصغيرة ترتدي أحذية معدنية ضيقة جدا لمنع أقدامها من النمو، وذلك لأن القدم إذا كبرت عن حد معين انتهى مستقبل البنت كزوجة!
وتتفاوت الأحذية في أسعارها تفاوتا ملحوظا، هناك أحذية رخيصة جدا، وهناك أحذية ذات ماركات عالمية تصل أسعارها إلى أرقام فلكية. والحذاء غير الجيد أو غير المناسب يؤدي إلى العديد من المشاكل الصحية، كآلام الظهر وآلام العضلات والثآليل الجلدية والتواء الأصابع وتورم الأقدام.

عند اختيار حذاء جديد، يفضل أن يكون هناك فراغ قدره حوالي سنتيمترين بين قمة الإصبع الكبير والجزء العلوي من الحذاء، ولأن معظم الأشخاص لديهم قدم أكبر من الأخرى، فإنه يجب تجريب فردتي الحذاء قبل الشراء.
ونحن في مصر نستخدم مقاييس الأحذية الأوربية، التي تبدأ من 34 وتنتهي عند 48، وفي أمريكا تبدأ المقاسات من الرقم 3 إلى الرقم 14 بالنسبة للرجال، ومن 3 ونصف إلى 11 ونصف للسيدات.
وعلى ذكر مقاسات الأحذية، هناك "سندريللا" التي فقدت فردة حذائها وهي تجري لتغادر القصر في الثانية عشرة، ثم أخذ الأمير فردة الحذاء ودار بها على كل فتيات المملكة ليرى من سيناسب منهن. إذا كانت الحكاية أكثر واقعية كان الأمير سيجد على الأقل ألف فتاة يناسبها الحذاء!
وإذا ركبت الميكروباص ووجدت التباع يخبط على صاج الميكروباص صائحا "كعب عالي"، فاعرف أنه يقول للسائق أن يحترس لأن فتاة تريد الصعود أو الهبوط. أما الأحذية ذات الكعب العالي التي ترتديها الفتيات، والتي يرجّح أن "ليوناردو دافنشي" هو مبتكرها، فرغم أن كل الأبحاث تشير إلى كونها مضرة للعمود الفقري، ورغم أنهن يشعرن بآلام في الظهر منها، فإن أحدا لا يتوقف عن ارتدائها، فربما كان فيها الأمل في الحصول على عريس أكثر طولا!

الشخص الذي يقوم بإصلاح الأحذية يدعى الإسكافي، وعندما أتى مرقس الرسول إلى مصر ودخل إلى الإسكندرية، ظل يمشي في شوارعها إلى أن تمزق حذاؤه، فذهب إلى إسكافي ليصلح الحذاء، وبينما يصلح الإسكافي الحذاء دخل المخراز في إصبعه فصرخ متألما: أيها الإله الواحد. قال له القديس مرقس: أتعرف من هو الإله الواحد الذي تناديه؟ قال له: لا، فقال له: أنا أعرفه. وبدأ يحدثه عن الإله الواحد حتى أصبح هذا الإسكافي أول شخص يدخل المسيحية في مصر.
هناك أماكن يجب أن تخلع الحذاء عند دخولها، مثل المساجد ومعابد الديانات الآسيوية، وعند دخول البيت في اليابان وفي بعض الدول العربية والآسيوية أيضا.
للحذاء مسميات عديدة في المنطقة العربية، حيث يختلف اسمه باختلاف المنطقة الجغرافية، فهو الجزمة وهو البلغة وهو الصرمة والبرطوشة والمركوب والكندرة.
من الشتائم المحببة لدى المصريين وَصْف الشخص المشتوم بالحذاء، وفي بعض الأحيان إذا أراد الشاتم تعميق الإهانة فإنه يصف المشتوم بأنه ابن حذاء! وفي هذا الأمر يظهر مدى احتقار المصريين لهذا الملبوس المهم في حياة كل إنسان، والذي لولا وجوده لما أمكن المشي بسهولة في كل الطرق مهما بلغت وعورتها، ولأصيبت القدم بإصابات بالغة وأمراض مستعصية العلاج.
من الأمور المهينة أيضا الضرب بالحذاء، أو التهديد بالضرب بالحذاء، وهذا الأمر أكثر إثارة للشعور بالمهانة من الضرب بالعصا أو الشبشب مثلا، وقد يبدو هذا المنطق معكوسا نظرا لارتفاع سعر الحذاء مقارنة بالعصا أو الشبشب، فالمفروض أنه كلما رخص سعر أداة الضرب ساعد هذا الأمر على تعميق المهانة، والدليل على هذه القاعدة أن الضرب بالحذاء القديم يعتبر أكثر إثارة للمهانة من الضرب بالحذاء الجديد.

وفي الثقافة الغربية يقال إن فلانا أكل حذاءه أو شرب شوربة أحذية كناية عن الفقر الشديد، وفي مصر نقول عن الشوربة سيئة الطعم إنها منقوع براطيش.
ومؤخرا صارت هناك موضة بين الرجال لارتداء الصنادل المفتوحة مثل التي كنا نرتديها ونحن أطفال، قبل أن يظهر اختراع الكوتشي الذي يرتديه أطفال هذه الأيام، ويتم ارتداء شراب أبيض -يتحول إلى اللون الرمادي بمجرد النزول إلى الشارع- على الصندل وفوقه بنطلون جينز وتي شيرت لتصبح الروشنة كاملة.
أما الكوتشي الذي يفضله الشباب وطلبة المدارس والرياضيين فيؤدي إلى انبعاث رائحة كريهة إذا لم يكن من نوع جيد يسمح بتنفس القدم كما تفعل الأحذية الجلدية، وفي التسعينيات ظهرت ثورة أحذية الأطفال "اللي بتنوّر" التي جعلت الأطفال ينظرون إلى الخلف وهم يمشون ليتابعوا الضوء الذي يخرج من الحذاء، وهناك أيضا أحذية الأطفال الأصغر سنا التي تصدر صوت "زمارة" كلما خطا الطفل خطوة فيعرف والداه أين ذهب إذا ابتعد عنهما. وعموما لا يعيش حذاء الطفل أكثر من بضعة أشهر، ويحتاج الطفل إلى حذاء جديد لأن قدميه تكبران بسرعة.
وبخلاف ارتدائه فللحذاء استخدامات كثيرة أخرى، حيث يستخدمه المساجين والمحتجزون كوسادة للرأس أثناء النوم، وفي الأقسام والسجون أيضا يتم وضع الحذاء في فم المعتقل كنوع من التعذيب، كما يستخدم كأداة لقتل الحشرات في حال عدم توافر البيروسول..

ومنذ حوالي ألف عام كان هناك تقليد في الأعراس في إنجلترا يقضي بأن يقوم الأب بتسليم حذاء ابنته، العروس إلى زوجها، كرمز لانتقال السلطة من الأب إلى الزوج، وكان هذا يلقى عاليا ليحمل بشارة الزواج القريب إلى الفتاة التي تلتقطه، بدلا من الزهور التي تلقى هذه الأيام!