الموضوع طويل شوية
بس أتمنا ان صدركم يتسع لقرأته كله
لأنه فعلا مهم جدا
آثار المعاصي :
*******************
جاء فى كتاب الجواب الكافى لابن القيم رحمه الله ما مختصره :
وللمعاصى من الأثار القبيحة المذمومة , المضرة بالقلب و البدن فى الدنيا والأخرة ما لا يعلمه إلا الله :
1 – منها حرمان العلم , فإن العلم نور يقذفه الله فى القلب , و المعصية تطفئ ذلك النور , ولما جلس الإمام الشافعى بين يدي مالك , وقرأ عليه أعجبه ما راى من وفور فطنته , وتوقد ذكائه , وكمال فهمه فقال : إنى أرى الله قد ألقى على قلبك نورا و فلا تطفئه بظلمة المعصية , وقال الشافعى :
شكوت إلى وكيع سوء حفظى****** فأرشدنى إلى ترك المعاصى
وقال : أعلم بأن العلم فضل ****** وفضل الله لا يؤتاه عاص
2- ومنها : وحشة يجدها العاصى فى قلبه بينه وبين الله لا يوازنها و لا يقارنها لذة أصلا , ولو اجتمعت له الدنيا بأسرها لم تف بتلك الوحشة , وهذا أمر لا يحس به إلا من فى قلبه حياة , وما لجرح بميت إيلام , فلو لم يكن ترك الذنوب إلا حذرا من وقوع تلك الوحشة لكان العاقل حريا بتركها .
3 – و منها الوحشة التى تحصل بينه وبين الناس , و لا سيما أهل الخير منهم فإنه يجد وحشة بينه وبينهم , وكلما قويت تلك الوحشة , بعد منهم و من مجالستهم , و حرم بركة الإنتفاع بهم , وقرب من حزب الشيطان بقدر ما بعد من حزب الرحمن , وتقوى هذه الوحشة حتى يستحكم فتقع بينه وبين إمرته وولده و أقاربه وبينه وبين نفسه فتراه مستوحشا من نفسه ,وقال بعض السلف :إنى لأعصى الله فأرى ذلك فى خلق دابتى و أمرأتى .
4- و منها : تعسير أموره و فلا يتجه إلى أمر إلا ويجده مغلقا دونه , أو متعسرا عليه وهذا كما أن من اتقى الله جعل له من أمره يسرا , فمن عطل التقوى جعل الله له من أمره عسرا ويا للعجب ؟ كيف يجد العبد أبواب الخير و المصالح مسدودة عنه متعسرة عليه و هو لا يعلم من أين أتى .
5- و منها : ظلمة يجدها فى قلبه حقيقة يحس بظلمة الليل البهيم إذا أدلهم , فتصير ظلمة المعصية لقلبه كا لظلمة الحسية لبصره , فإن الطاعة نور , و المعصية ظلمة , وكلما قويت الظلمة ازدادت حيرته , حتى يقع فى البدع و الضلالات و الأمور المهلكة و هو لا يشعر , كأعمى خرج فى ظلمة الليل يمشى و حده و تقوى هذه الظلمة حتى تظهر فى العين ثم تقوى حتى تعلو الوجه , وتصير سوادا حتى يراه كل أحد .
6 - ومنها : أن المعاصى توهن القلب و البدن
أما وهنها للقلب : فأمر ظاهر بل لا تزال توهنه حتى تزيل حياته بالكلية .
و أما وهن البدن : فإن المؤمن قوته من قلبه , وكلما قوى قلبه قوى بدنه , و أما الفاجر فإنه – و إن كان قوى البدن- فهو أضعف شئ عند الحاجة , فتخونه قوته أحوج ما يكون إلى نفسه , فتأمل قوة أبدان فارس و الروم كيف خانتهم أحوج ماكانوا إليها و قهرهم أهل الإيمان بقوة أبدانهم وقلوبهم .
7 – و منها : حرمان الطاعة : فلو لم يكن للذنب عقوبة إلا أنه يصد عن طاعة تكون بدله , ويقطع طريق طاعة أخرى فينقطع عليه طريق ثالثة , ثم رابعة وهلم جرا , فينقطع عليه بالذنب طاعات كثيرة , كل واحدة منها خير له من الدنيا و ماعليها , وهذا كرجل أكل أكلة من أوجبت له مرضة طويلة منعته من عدة أكلات أطيب منها و الله المستعان .
8 – أن المعاصى تقصر العمر وتمحق بركته و لا بد , فإن البر كما يزيد فى العمر فالفجور ينقصه , وسر المسألة : أن عمر الإنسان مدة حياته , ولا حياة له إلا بإقباله على ربه , والتنعم بحبه و ذكره و إيثار مرضاته .
9- و منها : أن المعاصى تزرع أمثالها , ويولد بعضها بعضا , حتى يعز علي العبد مفارقتها و الخروج منها , كما قال بعض السلف : إن من عقوبة السيئة , السيئة بعدها و إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها .
10- و منها : و هو من أخوفها على العبد أنها تضعف القلب عن إرادته فتقوى فيه إرادة المعصية و تضعف إرادة التوبة شيئا فشيئا ’ إلى أن تنسلخ من قلبه إرادة التوبة بالكلية , فلو مات نصفه لما تاب إلى الله , فيأتى بالإستغفار و توبة الكاذبين باللسان لشئ كثير , وقلبه معقود بالمعصية مصر عليها عازم على مواقعتها متى أمكنه , وهذا من أعظم الأمراض و أقربها إلى الهلاك .
11- و منها : أن ينسلخ من القلب استقباحها فتصير عادة , فلا يستقبح من نفسه رؤية الناس له , و لا كلامهم فيه , وهذا عند أرباب الفسوق.....,فتسد عليهم طريق التوبة وتغلق عنهم أبوابها فى الغالب كما قال النبى صلى الله عليه وسلم : " كل أمتى معافى إلا المجاهرون , وإن من الإجهار أن يستر الله على العبد ثم يصبح يفضح نفسه , ويقول يا فلا ن عملت يوم كذا وكذا و كذا فيهك نفسه و قد بات يستره ربه " .
12- و منها أن كل معصية من المعاصى فهى ميراث عن أمة من الأمم التى يهلكها الله عزوجل , فاللوطية : ميراث عن قوم لوط , و أخذ الحق بالزائد و دفعه بالناقص : ميراث قوم شعيب , و العلة فى الأرض و الفساد : ميراث قوم فرعون و التكبر و التجبر : ميراث عن قوم هود , فالعاصى لا بس ثياب بعض هذه الأمم و هم أعداء الله .
وقد روى عبد الله بن أحمد كتاب الزاهد لأبيه عن مالك بن دينار قال : أوحى الله إلى نبى من أنبياء بنى إسرائيل أن قل لقومك : لا تدخلوا مداخل أعدائى , و لا تلبسوا ملابس أعدائى , لا تركبوا مراكب أعدائى , , ولا تطعموا مطاعم أعدائى فتكونوا أعدائى كما هم أعدائى .
13- و منها : أ ن المعصية سبب لهوان العبد على ربه وسقوطه من عينه , قال الحسن البصري : هانوا عليه فعصوه , ولو عزوا عليه لعصمهم , وإذا هان العبد على الله لم يكرمه أحد , كما قال تعالى : " و من يهن الله فما له من مكرم" و إن عظمهم الناس فى الظاهر لحاجتهم إليهم أو خوفا من شرهم فهم فى قلوبهم أحقر شئ و أهونه .
14- و منها : أن العبد لا يزال يرتكب الذنوب حتى تهون عليه و تصغر فى قلبه , وذلك علامة الهلاك , فإن الذنب كلما صغر فى عين العبد , عظم عند الله , و قد ذكر البخارى فى صحيحه عن ابن مسعود قال :" إن المؤمن يرى ذنوبه كأنها فى أصل جبل يخاف أن يقع عليه , وأن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا فطار".
15 – و منها : أن غيره من الناس و الدواب يعود شؤم ذنبه , فيحترق هو و غيره بشؤم الذنوب و الظلم ,
قال أبو هريرة : إن الحبارى لتموت فى وكرها من ظلم الظالم .
وقال مجاهد : إن البهائم تلعن عصاة بنى آدم إذا اشتدت السنة و أمسك المطر , وتقول هذا بشؤم معصية ابن آدم ,
وقال عكرمة : دواب الأرض و هوامها حتى يبوء بلعنة من لا ذنب له .
16 – و منها : أن المعصية تورث الذل و لابد , فإن العز كل العز فى طاعة الله تعالى , قال تعالى : " من يريد العزة فالله العزة جميعا " . أى فليطلبها بطاعة الله فإنه لا يجدها إلا فى طاعة الله , وكان من دعا ء بعض السلف: اللهم أعزنى بطاعتك و لا تذلنى بمعصيتك .
17 – و منها : أن المعاصى تفسد العقل فإن للعقل نورا , و المعصية تطفئ نور العقل و لا بد , وإذا أطفئ نوره ضعف ونقص و قال بعض السلف : ما عصى الله أحد حتى يغيب عقله , فإنه لو حضر عقله لحجزه عن المعصية و هو فى قبضة الرب تعالى , و تحت قهره , وهو مطلع عليه , وفى داره على بساطه , وكلا ئكته شهود عليه ناظرون إليه , وواعظ القرآن ينهاه ,وواعظ الإيمان ينهاه , وواعظ النار ينهاه , والذى يفوته بالمعصية من خير الدنيا و الآخرة أضعاف أضعاف ما يحصل له من السرور و اللذة بها , فهل يقدم على الاستهانة بذلك كله و الأستخفاف به ذو عقل سليم .
18- و منها : أن الذنوب إذا تكاثرت طبع على قلب صاحبها , فكان من الغافلين , كما قال بعض السلف فى قوله تعالى : } كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون { قال هو الذنب بعد الذنب .
19- ومنها : أن الذنوب تدخل العبد تحت لعنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
20- و منها حرمان دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم و دعوة الملائكة , فإن الله سبحانه أمر نبيه بأن يستغفر للمؤمنين و المؤمنات , و قال تعالى "" الذين يحملون العرش و من حوله يسبحون بحمد ربهم و يؤمنون به و يستغفرون للذين آمنوا . ربنا وسعت ك كل شئ رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا و اتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم .ربنا و أدخلهم جنات عدن التى وعدتهم ومن صلح من آبائهم و أزواجهم و ذرياتهم . إنك أنت العزيز الحكيم و قهم السيئات "".
21- و منها : أنها تحدث فى الأرض أنواعا من الفساد فى المياه و الهواء و الزرع و الثمار و المساكن قال تعالى: "" ظهر الفساد فى البر و البحر بما كسبت أيدى الناس ليذيقهم بعض الذى عملوا لعلهم يرجعون "".
22- من عقوبتها أنها تطفئ من القلب نار الغيرة .
و المقصود : أنه كلما اشتدت ملابسته للذنوب أخرجت من قلبه الغيرة على نفسه وأهله وعموم الناس , وقد تضعف القلب جدا حتى لا يستقبح بعد ذلك القبيح لا من نفسه و لا من غيره , و إذا وصل إلى هذا الحد فقد دخل باب الهلاك و كثير من هؤلاء لا يقتصر على عدم الاستقباح , بل يحسن الفواحش و الظلم لغيره و يزينه له و يدعو إليه و يحثه عليه و يسعى له فى تخصيله و لهذا كان الديوث أخبث خلق الله و الجنة عليه حرام , وكذلك محلل الظلم و البغى لغيره و مزينه لغيره , فانظر ما الذى حملت عليه قلة الغيرة , و هذا يدلك على أن أصل الدين الغيرة و من لا غيرة له فلا دين له .
23- و من عقوبتها : ذهاب الحياء الذى هو مادة الحياة والقلب و هو أصل كل خير , وذهابه ذهاب كل خير بأجمعه , و فى الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " الحياء خير كله " و قال :" إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى : إذا لم تستح فاصنع ما شئت ".
و المقصود : أن الذنوب تضعف الحياء من العبد ربما انسلخ منه بالكلية , حتى ربما أنه لا يتأثر بعلم الناس بسوء حاله و لا باطلاعهم عليه , بل كثيرا منهم يخبر هو عن حالة وقبح ما يفعله , والحامل له على ذلك انسلاخه من الحياء , و إذا وصل العبد إلى هذه الحالة لم يبق فى صلاحه مطمع .
24- و من عقوبتها : أنها تضعف فى القلب تعظيم الرب جل جلاله , و تضعف وقاره فى قلب العبد , ولابد شاء أم أبى , و لو تمكن وقار الله وعظمته فى قلب العبد لما تجرأ على معاصيه , ومن بعض عقوبةهذا : أن يرفع الله عزوجل مهابته من قلوب الخلق , فيهون عليهم , ويستخفون به , كما هان عليه أمره و استخف به , فعلى قدر محبة العبد لله يحبه الناس , وعلى قدر خوفه من الله يخافه الناس , وعلى قدر تعظيمه لله وحرماته , وكيف ينتهك عبد حرمات الله , ويطمع أن لا ينتهك الناس حرماته ؟ أم كيف يهون عليه حق الله و لا يهونه الله على الناس ؟ أو كيف يستخفف بمعاصى الله و لا يستخفف به الخلق .
25-و من عقوبتها : أنها تستدعى نسيان الله لعبده , وتركه و تخليته بينه و بين نفسه وشيطانه , وهنالك الهلاك الذى لا يرجى معه نجاة . قال الله تعالى : "" يا أيها الذين آمنوا اتقوا و لتنظر نفس ما قدمت لغد. و اتقوا الله إن الله خبير بما تعملون. و لا تكونوا كا لذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون "" .
فأخبر أنه عاقب من ترك التقوى بأن أنساه نفسه أى أنساه مصالحها , و ما ينجيه من عذابه و ما يوجب له الحياة الأبدية .
فالله سبحانه وتعالى يعوض عن كل شئ , سواه و لا يعوض منه شئ , ويغنى عن كل شئ , ولا يغنى عنه شئ , ويمنع من كل شئ , ولا يمنع منه شئ و يجير من كل شئ , ولا يجير منه شئ و كيف يستغنى العبد عن طاعة من هذا شأنه طرفة عين ؟ و كيف ينسى ذكره و يضيع أمره حتى ينسيه نفسه , فيخسرها و يظلمها أعظم ظلم , فما ظلم العبد ربه و لكن ظلم نفسه , و ما ظلمه ربه و لكن هو ظلم نفسه .
26- و من عقوبتها : أنها تخرج العبد من دائرة الإحسان و تمنعه من ثواب المحسنين...
و المقصود هنا : أن الإيمان سبب جالب لكل خير , وكل خير فى الدنيا و الأخرة فسببه الإيمان فكيف يهون على العبد أن يرتكب شيئا يخرجه من دائرة الإيمان و يحول بينه و بينه , ولكن لا يخرج من دائرة عموم المسلمين , فإن استمر على الذنوب و أصر عليها خيف عليه أن يرين على قلبه , فيخرجه عن الإسلام بالكلية , ومن هنا أشتد خوف السلف, كما قال بعضهم: أنتم تخافون الذنوب و أنا أخاف الكفر .
27- ومن عقوباتها: أنها تضعف سير القلب إلى الله والدار الآخرة وتعوقه وتوقفه وتعطفه عن السير فلا تدعه يخطو إلى الله خطوة ، هذا إن لم ترده عن وجهته إلى ورائه ، فالذنب إما أن يميت القلب ، أو يمرض مرضاً مخوفاً، أو يضعف قوته ولابد ، حتى ينتهي ضعفه إلى الأشياء الثمانية التي استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم منها وهى "اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدين وغلبة الرجال".
والمقصود: أن الذنوب من أقوى الأشياء الجالبة لهذه الثمانية كما أنها من أقوى الأسباب الجالبة " لجهد البلاء ، ودرك الشقاء ،وسوء القضاء ، وشماتة الأعداء " ومن أقوى الأسباب الجالبة لزوال نعم الله تعالى، وتحول عافيته إلى نقمته وتجلب جميع سخطه.
28- ومن عقوبات الذنوب: أنها تزيل النعم وتحل النقم فما زالت عن العبد نعمة إلا بسبب ذنب كما قال على بن أبى طالب رضى الله عنه " ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع بلاء إلا بتوبة " وقد قال تعالى {42 : 30}: "" وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير "".
29- ومن عقوباتها: ما يلقيه " الله " سبحانه وتعالى من الرعب والخوف فى قلب العاصي، فلا تراه إلا خائفاً مرعوباً، فإن الطاعة حصن الله الأعظم الذي من دخله كان من الآمنين من عقوبات الدنيا والآخرة ومن خرج عنه أحاطت به المخاوف من كل جانب.
30- ومن عقوباتها: أنها توقع الوحشة العظيمة فى القلب فيجد المذنب نفسه مستوحشاً، وقد وقعت الوحشة بينه وبين ربه، وبينه وبين الخلق ، وبينه وبين نفسه، وكلما كثرت الذنوب اشتدت الوحشة، وأمر العيش عيش المستوحشين الخائفين، وأطيب العيش عيش المستأنسين.
31- ومن عقوباتها: أنها تصرف القلب عن صحته واستقامته إلى مرضه وانحرافه ، فلا يزال مريضاً معلولاً لا ينتفع بالأغذية التي بها حياته وصلاحه، فإن تأثير الذنوب فى القلوب كتأثير الأمراض فى الأبدان.
32- ومن عقوباتها: أنها تعمي بصر القلب ، وتطمس نوره ، وتسد طرق العلم ، وتحجب مواد الهداية .
33- ومن عقوباتها: أنها تصغر النفس وتقمعها ، وتدنيها وتحقرها حتى تصير أصغر من كل شئ وأحقره كما أن الطاعة تنميها وتزكيها وتكبرها. قال تعالى {91 : 10}: "" قد أفلح من زكاها ،وقد خاب من دساها "".
والمعنى : قد أفلح من أعلاها وكبرها بطاعة الله وأظهرها ، وقد خسر من أخفاها وحقرها وصغرها بمعصية الله.
34- ومن عقوباتها: أن العاصي دائماً فى أسر شيطانه، وسجن شهواته، وقيود هواه، فهو أسير مسجون مقيد ، ولا أسير أسوأ حالاً من أسير أسره أعدي عدو له، ولا سجن أضيق من سجن الهوى، ولا قيد أصعب من قيد الشهوة، فكيف يسير إلى الله والدار الآخرة قلب مأسور مسجون مقيد؟ وكيف يخطو خطوة واحدة؟ وإذا تقيد القلب طرقته الآفات من كل جانب بحسب قيوده، ومثل القلب مثل الطائر كلما علا بعد عن الآفات، وكلما نزل استوحشته وفى الحديث " الشيطان ذئب الإنسان ".
وأصل هذا كله: أن القلب كلما كان ابعد من الله كانت الآفات إليه أسرع وكلما كان أقرب إلى الله بعدت عنه الآفات ، والبعد عن الله مراتب ، بعضها اشد من بعض، فالغفلة تبعد العبد عن الله ، وبعد المعصية أعظم من بعد الغفلة، وبعد البدعة أعظم من بعد المعصية ، وبعد النفاق والشرك أعظم من ذلك كله.
35- ومن عقوباتها: سقوط الجاه والمنزلة والكرامة عند الله وعند خلقه.
36- ومن عقوباتها: أنها تسلب صاحبها أسماء المدح والشرف، وتكسوه أسماء الذم والصغار، فتسلبه إسم المؤمن والبر والمحسن والتقى والمطيع والمنيب والولي والورع والمصلح والعابد والخائف والأواب والطيب و المرضى ونحوها ، وتكسوه اسم الفاجر والعاصي والمخالف والمسيء والمفسد والخبيث والمسخوط والزاني والسارق والقاتل والكاذب والخائن واللوطي والغادر وقاطع الرحم وأمثالها فهذه أسماء الفسوق، و{49: 61}
"" بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان "" التي توجب غضب الديان ، ودخول النيران، وعيش الخزي والهوان وتلك أسماء توجب رضاء الرحمن ودخول الجنان، وتوجب شرف المسمى بها على سائر أنواع الإنسان.
37- ومن عقوباتها: أنها تؤثر بالخاصة في نقصان العقل فلا تجد عاقلين أحدهما مطيع لله، والآخر عاص إلا وعقل المطيع منهما أوفر وأكمل ، وفكره أصح ، ورأيه أسد، والصواب قرينه ولهذا تجد خطاب القرآن إنما هو مع أولى الألباب والعقول، كقوله {2 : 197}: "" واتقون يا أولي الألباب "".
38- ومن عقوباتها: أنها تجعل صاحبها من السفلة بعد أن كان مهيئاً لأن يكون من العلية، فإن الله خلق خلقه قسمين: علية وسفلة، وجعل عليين مستقر العلية، وأسفل سافلين مستقر السفلة، وجعل أهل طاعته الأعلين في الدنيا و الآخرة، وأهل معصيته الأسفلين في الدنيا والآخرة.
39- ومن عقوباتها: أنها تجرئ على العبد ما لم يكن يجترئ عليه من أصناف المخلوقات، فتجرئ عليه الشياطين (الإنس والجن) وتجرئ عليه أهله وخدمه وأولاده وجيرانه حتى الحيوان البهيم.
40- ومن عقوباتها: أنها تخون العبد أحوج ما يكون إلى نفسه.
والمقصود: أن العبد العاصي إذا وقع في شدة أو كربة أو بلية خانه قلبه ولسانه وجوارحه عما هو أنفع شئ له فلا ينجذب قلبه للتوكل على الله تعالى والإنابة إليه، والحمية عليه والتضرع والتذلل والانكسار بين يديه ولا يطاوعه لسانه لذكره وإن ذكره بلسانه لم يجمع بين قلبه ولسانه فلا ينحبس القلب على اللسان بحيث يؤثر فيه الذكر، ولا ينحبس اللسان والقلب على المذكور، بل إن ذكر أو دعا بقلب غافل لاه ساه ولو أراد من جوارحه أن تعينه بطاعة تدفع عنه لم تنقد له ولم تطاوعه وهذا كله أثر الذنوب والمعاصي كمن له جند يدفع عنه الأعداء، فأهمل جنده وضيعهم وأضعفهم وقطع أقواتهم، ثم أراد منهم عند هجوم العدو عليه أن يستفرغوا وسعهم فى الدفع عنه بغير قوة.
هذا وثم أمر أخوف من ذلك وأدهى وأمر ، وهو أن يخونه قلبه ولسانه عند الاحتضار والانتقال إلى الله تعالى ، فربما تعذر عليه النطق بالشهادة كما شاهد الناس كثيراً من المحتضرين من أصابهم ذلك حتى قيل لبعضهم : قل "لا إله إلا الله" فقال: شاه ورخ غلبك ثم قضى. (شاه ورخ: قطعتان من قطع الشطرنج، والمحتضر يذكرهما لأنهما أخذا عليه لبه وعقله من كثرة اللعب.
41- ومن عقوباتها: أنها مدد من الإنسان يمد به عدوه عليه وهو الشيطان، وجيش يقويه به على حربه.
42- ومن عقوباتها: أنها تنسى العبد نفسه، فإذا نسى نفسه أهملها وأفسدها وأهلكها، فإن قيل: كيف ينسى العبد نفسه؟ وإذا نسى نفسه، فأي شئ يذكر؟ وما معنى نسيانه نفسه؟
قيل: نعم ينسى نفسه أعظم نسيان ، قال تعالى {59 : 19}: "" ولا تكونوا كالذين نسوا الله أنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون "" فلما نسوا ربهم سبحانه نسيهم وأنساهم أنفسهم كما قال تعالى {9 : 67}: "" نسوا الله فنسيهم "" فعاقب سبحانه من نسيه عقوبتين إحداهما: أنه سبحانه نسيه، والثانية: أنه أنساه نفسه. ونسيانه سبحانه للعبد إهماله وتركه وتخليه عنه وإضاعته. فالهلاك أدنى إليه من اليد إلى الفم. وإما إنساؤه نفسه فهو إنساؤه لحظوظها العالية، وأسباب سعادتها وفلاحها وإصلاحها وما يكملها، ينسيه ذلك جميعه فلا يخطره بباله ولا يجعله على ذكره، ولا يصرف إليه همته فيرغب فيه فإنه لا يمر بباله حتى يقصده ويؤثره وأيضاً ينسيه عيوب نفسه ونقصها وآفاتها فلا يخطر بباله إزالتها وإصلاحها.
43- ومن عقوباتها: أنها تباعد عن العبد وليه، وأنصح الخلق له وأنفعهم له ومن سعادته في قربه منه، وهو الملك الموكل به، وتدني منه عدوه وأغش الخلق وأعظمهم ضرراً له –وهو الشيطان- فإن العبد إذا عصى الله تباعد منه الملك بقدر تلك المعصية، حتى أنه يتباعد منه بالكذبة الواحدة مسافة بعيدة وفي بعض الآثار: " إذا كذب العبد تباعد منه الملك ميلاً من نتن ريحه " فإذا كان هذا تباعد الملك منه من كذبة واحدة فماذا يكون قدر تباعده منه مما هو أكبر من ذلك وأفحش منه ؟!.
ولا يزال الملك يقرب من العبد (العبد الطائع) حتى يصير الحكم والطاعة والغلبة له فتتولاه الملائكة في حياته وعند موته وعند مبعثه، قال الله تعالى {41 : 30}: "" إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون ، نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون "". وإذا اشتد قرب الملك من العبد تكلم على لسانه، وألقى على لسانه القول السديد، وإذا بعد منه وقرب منه الشيطان من العبد تكلم على لسانه قول الزور والفحش، حتى يرى الرجل يتكلم على لسان الملك، والرجل يتكلم على لسان الشيطان.
44- ومنها: المعيشة الضنك في الدنيا وفى البرزخ والعذاب فى الآخرة قال تعالى {20 : 124}:
"" ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى "". وقد فسرت المعيشة الضنك بعذاب القبر ولا ريب أنه من المعيشة الضنك، والآيات تتناول ما هو اعم منه وإن كانت نكرة في سياق الإثبات فإن عمومها من حيث المعنى، فإنه سبحانه رتب المعيشة الضنك على الإعراض عن ذكره. فالمعرض عنه له من ضنك المعيشة بحسب إعراضه ، وإن تنعم في الدنيا بأصناف النعم ففي قلبه من الوحشة والذل والحسرات التي تقطع القلوب الأماني الباطلة والعذاب الحاضر ما فيه وإنما تتوارى عند سكرات الشهوات والعشق ، وحب الدنيا والرياسة إن لم ينضم إلى ذلك سكر الخمر، فسكر هذه الأمور أعظم من سكر الخمر، فإنه يفيق صاحبه ويصحو، وسكر الهوى وحب الدنيا لا يصحو صاحبه إلا إذا سكر في الأموات، فالمعيشة الضنك لازمة لمن أعرض عن ذكر الله الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم في دنياه وفي البرزخ ويوم معاده، و لا تقر العين ولا يهدأ القلب، ولا تطمئن النفس إلا بإلهها ومعبودها الذي هو حق، وكل معبود سواه باطل فمن قرت عينه بالله قرت به كل عين، ومن لم تقر عينه بالله تقطعت نفسه على الدنيا حسرات.
… إلى أن قال رحمه الله تعالى في نهاية الكلام عن آثار المعاصي: فانظر إلى الآخرة كأنها رأى عين، وتأمل حكمة الله سبحانه في الدارين، تعلم حينئذ علماً يقيناً لا شك فيه أن الدنيا مزرعة الآخرة وعنوانها وأنموذجها وأن منازل الناس فيها من السعادة والشقاوة على حسب منازلهم في هذه الدار في الإيمان والعمل الصالح وضدها،
فمن أعظم الذنوب الخروج عن الصراط المستقيم في الدنيا والآخرة، وبالله التوفيق. انتهى كلام ابن القيم رحمه الله تعالى، وأحيطك علماً بأن تلك النقاط السابقة مجرد عناوين وقليل من الشرح، لما فى كتاب (الجواب الكافي) هذا الكتاب القيم لابن القيم.
فائدة:
<><>
قال عبد الله بن عباس: " إن للحسنة ضياء في الوجه، ونوراً في القلب، وسعة في الرزق، وقوة في البدن، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة سواداً في الوجه، وظلمة في القبر والقلب، ووهناً في البدن ونقصاً في الرزق، وبغضة في قلوب الخلق ".
منقول
قال بن المعتز:
خل الذنوب صغيرها***************و كبيرها ذاك التقى
واصنع كماش فوق ألا*************ض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرة*****************إن الجبال من الحصى