
بعد نهاية يوم عمل شاق جاء المرواح هييييه ولكن فور أن اقتربت من الباب فوجئت بسيول من الأمطار منهمرة من السماء ولأنها لم تكن تريد أن تتوقف فكان لابد من الجري تحت المطر في انتظار أي وسيلة مواصلات التي لم تتأخر -الحمد لله- حيث جاء السي تي إيه يتهادى من بعيد وفور أن وضعت قدمي بداخله حتى شعرت بالارتياح لكن هذا الشعور لم يدم كثيرا مع الأسف!
في البداية كان هناك شاب يسد الطريق لم يلبث أن صعد فوق أول درجة داخل السي تي إيه حتى يراه أكبر عدد من الركاب -والحمد لله- وجدت كرسيا خاليا بجوار شاب يبدو في أوائل العشرين من عمره ولم تمض دقيقة حتى انطلق الشاب الأول في الحديث..
"صلوا ع النبي.. الحال اللي احنا فيه ده ماينفعش قول لي ليه.. طب زيد النبي صلاة.. عشان ينصلح حالنا لابد وحتما من ثلاثة أشياء أولهم الصلاة.. فيه واحد ورا مش بيصلي ع النبي.. أنت يا بني هتصلي ولاّ أنزلك؟ السواق حبيبنا آه...".
واستمر في الحديث بصوت عال مخاطبا الناس.. "آخر شيء بقى عشان ينصلح حالنا هو الدعوة.. المفروض مين اللي يدعو الناس.. الرسول عليه الصلاة والسلام ثم الصحابة طب دول مش موجودين نعمل إيه كل واحد لازم يدعو غيره عشان يخدم الدعوة وتتقدم الأمة الإسلامية ماتقولش إن ربنا ماوهبكش النعمة دي زيي كده لأ هتلاقيها موجودة بس حاول وبعدين كل واحد فيكم مسئول عن ده، الرسول بيقول "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته" يعني أنت لو زوج لازم تجبر زوجتك على الحجاب لأنك مسئول عنها وربنا مش هيسألك أكلت ولادك لحمة ولاّ لأ بس هيسألك عملت اللي عليك ولاّ لأ، مش مهم تأكل ولادك لحمة بس المهم إنك تخدم الدعوة.."
السؤال بقى هتخدم الدعوة إزاي؟.. السؤال كان في كرتونة إلى جوار نفس الشاب الذي استمر برضه في حديثه قائلا: "الفلوس اللي هتأكل ولادك بيها لحمة ممكن تعمل بيها حاجة تانية وتخدم بيها الدعوة لأن زي ما قلنا ربنا مش هيسألك أكلت ولادك لحمة ولاّ لأ.. ممكن تخدم الدعوة بإنك تشتري كتابا أو شريط كاسيت وده اللي هيدل على كونك مسلما.. أنت دلوقت لما حد بيسألك عن ديانتك بتوري له البطاقة، ربنا لما هيسألك مش هيبقى فيه بطاقة بقى.. ده أنا أعرف واحد زعلان مع أخيه لأ ده مش الإسلام أنت ربنا اختار لك أهلك ولما تزعل معاهم تبقى بتعترض على ربنا المفروض تشكره إنه خلاك تتولد لأبوين مسلمين مش من ديانة تانية وتحمده وتطيعه إزاي؟ بالدعوة"..
سواء اختلفت أو اتفقت مع صاحب الكلمات السابقة أو مع منطقه.. سواء اتفقت معه في أن الزوج لابد أن يجبر زوجته على الحجاب أو في إنه مش مهم تأكل ولادك لحمة أو اختلفت معه في هذا.. دعنا نتوقف أمام عدة نقاط..
أولها منظر الشاب نفسه وطريقة كلامه.. الشاب في أوائل العشرينيات من عمره له لحية خفيفة ويتحدث بصوت عال أغلبه كلام معسول يتخلله بعض الوعيد.
طريقة تجاوب الناس معه هي الأخرى تستحق التوقف عندها فالشاب الآخر الجالس بجواري مثلا كان منسجما بشدة ومتجاوبا معه بل ويكمل كلامه أحيانا ويدعوه إلى إطالة الخطبة لأطول وقت ممكن..
آخر الأمور التي استوقفتني هي الكرتونة التي كانت بجوار الشاب والتي لم يلتفت أحد إليها إلا في نهاية الحديث بعد أن لفت انتباه الجميع..
أصبح عاديا هذه الأيام أن تركب وسيلة مواصلات -في الأغلب ميكروباص- وتجد شريطا فيه أحد الدعاة وفي الأغلب يكون غير معروف وحديثه كله وعيد لكن الجديد أن تجد شخصا يخطب أمامك في وسيلة مواصلات والأغرب أن يكون هذا في السي تي إيه الذي عادة لا يحدث فيه مثل هذه الأمور.
المشكلة أن الشخص هذه المرة هو شاب صغير ويخاطب شبابا وكبارا وإن كان في الأغلب يركز كلامه مع الشباب.. فمن الذي أهلّه لكي يخطب في الناس؟ وما العلم الحاصل عليه شاب صغير مثله حتى يستطيع أن يقوم بالترغيب والترهيب؟ وكيف يتم السماح لأي شخص بالخطاب في الناس دون وجود ما يؤهله لذلك وفي المواصلات العامة أيضا التي يفترض أنها ليست مكانا للدعوة حتى للمؤهلين كما أنه قد يكون بين الركاب من هم ليسوا على دين الإسلام؟
المشكلة الأخرى هي أن الناس لم يقابلوا هذا الأمر باستنكار أو حتى بتساؤل وإنما كان الأغلبية يقابلونه بالتفاعل والاندماج معه وهو ما يعني أنه أثر فيهم بالفعل وهو أمر خطير ويستحق الوقوف أمامه.
أما آخر المشاكل والتي أصبحت منتشرة بشدة هذه الأيام هي استخدامه للدين ليقوم ببيع شريط أو كتاب وكأنه يقول لهم إن طريقهم للجنة لن يكون سوى عن طريق الشريط أو الكتاب وربما يكون هو لا يعرف شيئا عن الدين لكنه يستخدمه فقط لتحقيق الربح دون سائل أو رقيب وكأن الدين أصبح هو السلعة الرائجة هذه الأيام!
الرجل بدأ حديثه بالدين وبأن الرسول صلى الله عليه وسلم يأمرنا بكذا وبكذا وعلينا طاعته لينتهي بفتح الكارتونة وبيع شرائط كاسيت وكتب.. استخدم الدين من أجل أن يبيع كما يقوم بعض البائعين بالغناء لاجتذاب الناس من أجل شراء السلعة.. لعب على الورقة الرابحة هذه الأيام -الدين- فقط ليحقق ربحا في التجارة وما أكثر وأسهل استخدام الدين من أجل التجارة!
ربما تكون اتفقت أو اختلفت مع صاحب الكلمات السابقة لكن حتى لو كان دارسا للدين أو له منطق فيما يقوله وهو أمر مشكوك فيه فإن الدين بالتأكيد لا يجب أن يتم استخدامه لمجرد بيع شريط أو كتيب حتى لو كان هذا من وجهة نظر البائع.. طريقك للجنة!