الإسلام والطائفية
الدكتور عادل عامر
من المصائب الكبرى التي ابتلينا بها هذه الأيام الخلط بين الإسلام والطائفية، فإذا ناديت بعودة السياسة إلى الإسلام قالوا لك: انظر ماذا صنع خلط السياسة بالإسلام في العراق ولبنان والجزائر؟ وإذا قلت: نريد العودة بالشباب إلى الدين، قالوا لك: انظر ماذا حدث للشباب بسبب تدينهم في العراق واليمن ومصر والبحرين. وهكذا سلسلة طويلة من الخلط بين الإسلام والفتن الطائفية، ومن هنا وجب أن نفرق بين الإسلام دين الله، وبين الطائفية المرَضية (فتح الميم والراء) والتعصبات المذهبية المتحجرة، فقد أدى هذا الخلط إلى إعطاء اللادينيين الفرصة لمهاجمة الدين والمطالبة بفصل السياسة عن الدين, وإقامة حكومة عَلمانية (بفتح العين) تحبس الدين في الزوايا والتكايا ومساجد العجزة والمتقاعدين. من هنا وجب علينا الفصل بين الإسلام (الدين) وبين الطائفية المقيتة والتعصبات المذهبية الغبية والمتحجرة والغائبة عن العصر، فالإسلام هو دين الله الذي ختم الله بها الشرائع السماوية، وارتضاه الله تعالى دينا خاتماً للبشرية، وأرسل به المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم لهداية الثقلين: الإنس والجن إلى توحيد الله توحيداً خالصاً في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته والإذعان لمشيئته عن رضا واختيار، وتنفيذ أوامره، واجتناب نواهيه وإقامة حدوده من خلال إخلاص العقيدة والتمسك بمكارم الأخلاق ومراقبة الله في كل زمان ومكان، والمسلم من سلم الناس وبخاصة المسلمون من لسانه ويده، وكل المسلم على المسلم حرام عرضه وماله ودمه، وليس بمسلم من بات جاره جوعان وهو يعلم به، والمسلم لا يتبع أي فتوى من أي إنسان تتنافى مع ثوابت الدين، لذلك قال الصديق، للناس بعدما بايعوه: (وُلّيتُ عليكم ولستُ بخيرِك، أطيعوني ما أطَعْتُ الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعَةَ لي عليكم)، والإسلام يحفظ حقوق الإنسان بحفظ الكليات الخمس: (الدين والنفس والعقل والمال والنسل)، وكفل الإسلام حرية العقيدة { فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29] بشرط عدم التلاعب بالعقيدة والدين {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ } [البقرة: 256]، وحفظ الإسلام للإنسان حقه في الحياة بتحريم قتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق، وكفل له حق التعلم والتقاضي والعدل والحرية (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟)، وأحل الطيبات وحرم الخبائث، وحفظ حقوق النبات والحيوان والجماد، وحفظ حقوق غير المسلمين، وكفل حرية التعبير والاجتهاد بالضوابط العلمية الشرعية (انظر: حقوق الإنسان في الإسلام: للدكتور محمد الزحيلي، حيث التوضيح الكامل لحقوق الإنسان في الإسلام بالأدلة الشرعية). أما الطائفية المرَضية فهي منهاج للطائفيين للتعامل مع الآخرين على أساس التمايز والاختلاف المؤدي إلى الشقاق والتنازع، ولذلك هي طائفية مرَضية (بفتح الميم والراء) مذمومة، والطائفية بهذا المسلك هي التعصب لأفكار ومعتقدات تنتسب في الأصل إلى دين معين من دون القدرة على إيجاد المبررات العقلية والشرعية الصحيحة لهذا التعصب تجاه الآخرين. والفتن الطائفية هي كل ما يترتب على المنازعات الطائفية من فشل وقتل وغصب وسرقة وهتك عرض وضياع الأمن وذهاب الدولة والقوة كما قال تعالى: {وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: 46]. لما استَشْرَت الطائفية المرضية في العراق أدت إلى كل المصائب التي نراها الآن، ولذلك وقع الناس في حَيْصَ بَيْصَ، وإذا كان هذا قد ترتب على تدخل المتدينين في العراق والجزائر ولبنان والصومال في الدولة فالحل هو فصل الدين عن الدولة أو علمنة الدولة، وهذه الدعوة ستترتب عليها فتن أخرى بين المتدينين والعَلمانيين (بفتح العين) أو الإسلاميين والعلمانيين بالمصطلحات العَلمانية (بفتح العين) الدارجة. على الجميع التفريق بين دين الله وبين تجار الطائفية والمذهبية ومروجي الفتن الطائفية والمذهبية، ويجب علينا الدعوة إلى العودة إلى دين الله بعيداً عن الفتن الطائفية والمذهبية، لأننا في الوطن العربي لا نستغني عن الدين، فالمسلم على دينه والمسيحي على دينه واليهودي على دينه، لأن الدين والتدين هما المكون الثقافي الرئيسي في بلادنا العربية. لذلك يجب الفصل بين الإسلام والطائفية المرَضية (بفتح الميم والراء) وعدم السماح للعَلمانيين(بفتح العين) بانتهاز الوضع الحالي في الوطن العربي وركوب الدبابة الأمريكية - الغربية – الصهيونية لتفريغ حياتنا من العقيدة والشريعة والدين الشامل. علينا التعاون لعودة الإسلام، ونبذ الطائفية والفتن الطائفية والمذهبية، والتعايش الوطني بلا فتن طائفية ومذهبية، في وحدة إنسانية تسمو فوق كل دعوات المغرضين والمرتزقة والمتاجرين في الدين والمرجفين والمستفيدين من الفتن الطائفية والمذهبية والعرقية في بلادنا العربية والإسلامية.
كاتب وناشط سياسي