
لا أملك أجنحة طير لأهجر شوارع شاخت
أو مجدافين لقارب قديم أبحر به إلي عالم أخر أسطر فيه قوانيني
الخاصة أو عطر زهرة إسكر به إحساس البشر لكني أملك عقل ربما يختلف عن ما يملكه سائر
البشر أسعفني لأحضر ورقة وأكتب فيها مبادئي وأولوياتي وكعادة كل الصغار تغلب قلبي الطفولي علي عقلي عند
كتابة أول مبدأ وكان قراراً صارم بألا أسمح لطفل أخر بأن يمس دميتي فهي بالنسبة إلي طفلة كل الممتلكات. مرت
السنوات وحان موعد أختيار الطريق الذي سأسلكه لمستقبلي حاولت قدر المستطاع أن أبتعد عن أختيار أي شيء
يكون فيه مسئولية علي عاتقي وأعماني خوفي وأخترت أكثر الإختيارات مسئولية لكن لا سبيل للتراجع وها انا اليوم
أقف ممسكة بورقة مباديء وأحلامي القديمة في وجه الحاضر بتغيراته لكني لم أنتبه أن الطفلة لم تعد طفلة وأن
الماضي يختلف عن الحاضر وبأن مباديء الماضي أصبحت اليوم عبث طفل في أعين العقلاء وما مر سنوات ليس بهين
حتي أقحم الماضي وظروفه بالحاضر وأختلافاته يبدو أنني سأعيد حساباتي من جديد وستمتد يدي لتمزق ورقة
أحلامي عوضاً عن أن تمزقها رياح اليوم بما تحمله من تغيرات وتناقضات. متأكدة من إنني سأحتاج إلي ورقة جديدة
بمواصفات حديثة تناسب عصري لإسطر فيها مباديء اليوم وما يحتاجه من تغيرات جلست علي مقعدي وأمسكت
قلمي وهممت أن أسطر أول مبادئي الجديدة لكن أمتنع القلم عن الكتابة وأعلنت الورقة عن الرفض يبدو أن هناك
مؤامرة تحاك ضدي وأنا الضحية فيها لجأت إلي المفاوضات لأعرف سر التغير وكانت الإجابة هي عدم الشعور بالدوام
والإستقرار فالتغير أصبح أسرع من الصاروخ نفسه فاليوم مبدأ والغد عكسه. قديماً في ذروة حماسة الشباب عاهدت
نفسي ومن حولي علي إن لا أخالف مبادئي وحصلت علي تأييد من حولي وأمتطيت خيول الأحلام وتغنيت بالأماني
لكن اليوم أنقلب الحال فمن أيدوني قديماً أيدوا الباطل حديثاً يبدو أن دوام الحال من المحال ودوام المباديء وكل ما هو
جيد أيضاً من المحال. هل غيرتنا الدنيا إلي هذا الحد؟ هل سنتركها تشكلنا كما تحب فتجبرنا علي ترك كل ما وجدنا له
قيمة في أنفسنا كي نرضيها ونرضي كل من يهواها فقط؟
