
كل شيء أصبح مختلطا الآن في مصر وهذا هو الدليل. لم يكن الأمر صعبا بالنسبة لي حين قررت البحث عن أغنية معينة لموسيقار الأجيال "محمد عبد الوهاب".. فبمجرد أن أكتب اسم المطرب وبضغطة على كلمة (بحث) سوف يظهر لى العديد من مواقع الأغاني التي تعرض أغنيات كل من قال (آآآه) وإن كانت حتى من قبيل الألم!!
عندما فتحت الموقع لم أستطع أن أضغط على صورة "محمد عبد الوهاب" لتظهر أغانيه، وإنما لفت نظري الصور التي تحيط به من كلا الجانبين.. فأسماء المطربين مرتبة بالطبع ترتيبا أبجديا، ولهذا وقع "محمد عبد الوهاب" بين صورتين "ملعلعتين" لـ"محمد سعد" (اللمبي) و"محمد عطية" (مكتشف الدورة الدموية)!!
لن أقارن بالطبع بين موسيقار الأجيال من جهة و"سعد" و"عطية" من جهة أخرى فالمقارنة ظالمة بالتأكيد.. وإن كنت أعتقد أن هناك فئة ولو بسيطة من الشباب سترفض بالطبع مقارنة مطربين عظيمين مؤثرين مثل "سعد" و"عطية" مع مطرب "أنتيكة" كـ"محمد عبد الوهاب".. ويعدُّون هذا ظلما بيّنا!!
نعم هناك من يقتنع بهذا أشد الاقتناع.. ومثلما كتب صاحب سيرك شعبي جملة "لا تتعجب يا ولدي إنها إرادة الله" على إعلان عن بقرة بخمسة أرجل.. سأكتب أنا نفس العبارة.. لا تتعجب يا ولدى إنها إرادة الله!!
أعرف أنه من الطبيعي اختلاف الأذواق ولولاها لبارت السلع -أكتر ما هي بايرة- ولكن أظن أن هناك بعض الأشياء البديهية التي لا أعتقد أن يختلف عليها اثنان.. لا أعني بهذا عبقرية "محمد عبد الوهاب" كملحن ومبدع لا يختلف عليه أحد.. وإنما أرى أنه حتى إذا اختلف البعض حول ما يقدمه "محمد عبد الوهاب"، فأعتقد أن الجميع يقتنع أنه كان يقدم أعمالا طربية أثرت في تاريخ الغناء العربي وشكلت شكلا موسيقيا جديدا.. يختلف البعض حول جودة اللحن أو خامة الصوت أو غير ذلك.. ولكنها لم تصل أبدا إلى نكران المطرب ككل..
هل تريد أن ترى اضمحلالا في سوق الطرب أكثر من أن يقول أحدهم "أكتر حاجة باحبها فيك هو ده" ثم "أكتر حاجة باحبها فيك هي دي" وهذه الأغاني من النوع الذي يجب أن يرفق معه الكليب لكي تعرف من حركاته بالتفصيل ما الذي يقصده من "ده" و"دي".. وإن الله حليم ستار!!
وفي أغنية أخرى "وحياة أمي ما أنا سايبك".. هذا هو التطور الطبيعي لأغنية (بعيد عنك حياتي عذاب).. وهذا هو الشكل الجديد للتودد للمحبوبة واللهفة الزائدة في زمن الموبايل أبو كاميرتين!!
وربما دافع البعض قائلا أن "ده" و"دي" و"وحياة أمي" و"حبك إتاخد قفش" و"باحب الدورة الدموية" و"كل كلامك همّ" هي لغة الشباب هذه الأيام ومن حق "المطرب" أن يغني لجمهوره باللغة التي يعرفها.. ولكن هل هذا هو المنطق الصحيح للغناء؟؟ وهل نتوقع بعد فترة من الوقت أن تتضمن بعض الأغنيات شتائم صريحة بالأب والأم، وحجتنا أن هذه لغة الشباب؟؟ ذكرني هذا بكلام "محمد صبحي" في مسرحية وجهة نظر لـ"رياض الخولي" وهو يغني غناء قبيحا قائلا: "يا أخي ده اسمه غناء.. غنااااااء!!"
ربما أكون قد اتّجهت بعيدا عن موضوعي الأصلي أو عن الصورتين.. ولكن ما يجذب الانتباه أن هذا المغني وغيره من جهابذة هذه الأيام هم "مطربون" رومانسيون وعاطفيون وليسوا مثلا شعبيين حتى يكون لهم العذر.. فإذا كان المطرب العاطفي الجان الرومانسي معشوق البنات يقول: "وحياة أمي ما أنا سايبك" فماذا يقول المطرب الشعبي الذى يكون عادة أكثر تواصلا مع الشارع المصري بمصطلحاته بلغته البسيطة بنت البلد؟؟
ما الذي قدمه "محمد سعد" للغناء العربي لكي يكون جنبا إلى جنب مع موسيقار الأجيال؟؟ ما الذي جاد علينا به "محمد عطية" لكي توضع صورته بجوار "محمد عبد الوهاب"؟؟ أعترف أن موقفي ليس بسبب الغيرة على الغناء وعلى الفن.. فالأمر عندي –بصراحة- لا يساوي شيئا؛ لأنني لست من المهتمين بصورة كبيرة بهذا الجزء.. ولكن المسألة عندي هي: كيف تتساوى الرؤوس في أي مجال إذا لم يكن هناك مجال للتساوي أصلا؟؟ كيف توضع صورة "عوضين أبو سويلم" الذي يلعب في الفسحاية أمام بيته جنبا إلى جنب مع صورة "مارادونا" و"بيليه"؟؟ كيف توضع صورة طبيب شاب روتيني لا يهتم إلا بزيادة راتبه الشهري عشرين جنيه مع صورة لـ"مجدي يعقوب"؟؟ كيف توضع صورة لشاب ثوري لا يجيد إلا الهتافات في ميدان التحرير -رغم أنه أول من يخالفها إذا جاءت مصلحة- مع صورة لـ"جيفارا" مثلا أو "كاسترو" أو "مارتن لوثر كينج"؟؟
ثم هناك سؤال يحضرني بقوة.. ماذا لو كان "محمد عبد الوهاب" حيا؟؟ ماذا لو دخل "محمد عبد الوهاب" هذا الموقع -بافتراض أنه يملك وصلة نت من أي سايبر تحت البيت- ورأى صورته بجوار صورة شخص يقول: "أنا باحب الدورة الدموية وباحب الرئة والنبض" ومن الناحية الأخرى شخص آخر يقول: "السحنة دي مفيهاش اتنين.. السحنة دي.. اليع دي.. الدبليو سي!!"؟؟ وفي نفس الصفحة يجد صورة لآخر يقول: "حبك إتاخد قفش" مع العلم أن كُلا منهم يُطلق عليه لقب "مطرب"!!
ومن المعروف أن كل مطربي الزمن الجميل كانوا يلهثون خلف "محمد عبد الوهاب" ليحصل كل منهم على لحن له.. لكي يذكر اسمه مع اسم "محمد عبد الوهاب".. ومنهم عمالقة الغناء.. وإذا افترضنا أن "عبد الوهاب" حي يرزق الآن وأتى إليه المطرب السابق ذكره -باعتباره نجم الغناء الآن- ليطلب منه لحنا فماذا سيقول وكيف سيطلب؟؟
هل سيقول له: حضرتك أنا عايز لحن جديد لأغنيتي الجديدة اللي بتقول: "وحياة أمي ما أنا سايبك"؟!!
إن كل ما يهمني في هذا الأمر –أكرر- ليس الغناء بصفة خاصة وإنما كل مجالات الحياة التي اختلط فيها الحابل بالنابل وتساوت الرؤوس.. وأصبح من السهل على كل مدِّعٍ أن يكون شاعرا ومطربا وموسيقيا وكاتبا ومعارضا ومفكرا.. وأن تهون كل السنين التي قضاها كل رمز سابق في الكفاح لكي يصل قديما إلى ما وصل إليه ليساويه تماما أي مبتدئ يحمل مضمونا تافها لمجرد أن له العديد من المعجبين الذين أخجل أن أقول أنهم يشتركون معه في نفس الصفة!!
وما أطلبه من كل موقع غنائي أن يخصص قسمين للأغاني: واحد منهم تحت عنوان: زمن الفن الجميل.. والآخر تحت عنوان: زمن اللي اختشوا ماتوا!!
منقووول