د. محمد سليم العوا
كنت قد وعدت القراء الكرام في ختام المقالة السابقة (دفاعا عن القانون لا عن وفاء قسطنطين) أن أتناول في هذه المقالة صمت المؤسسة الدينية الإسلامية في مصر، في واقعة وفاء قسطنطين وواقعة ماري عبدالله. لكنني عندما أمسكت بالقلم لأكتب اكتشفت أن المؤسسة الدينية ليست وحدها الصامتة، بل هناك مؤسسات ثلاث اختارت الصمت واستحبته واستعذبته علي الكلام في هذه الأزمة العارمة التي لاتزال آثارها تتفاعل في الوطن من شماله إلي جنوبه ومن شرقه إلي غربه، وإن تجاهل ذلك المتجاهلون وأنكره المنكرون وغفل عنه الغافلون.
هذه المؤسسات التي استحبت الصمت علي الكلام: في وقت تطلع الناس إلي كلامها لأهميته وقيمته، أو لأن القانون أوجبه عليها، أو لأن الصمت خلاف عادتها التي يتابعها كثيرون بتقدير واعجاب ويعبر آخرون عن سأمهم منها لكثرة ما تقول فيما هو مهم وما ليس كذلك من الوقائع والأحوال: هذه المؤسسات الثلاث هي مؤسسة الرئاسة (أعني رئاسة الجمهورية)، والمؤسسة الدينية (وهي ذات ثلاث شعب: الأزهر الشريف، ووزارة الأوقاف، ودار الإفتاء المصرية)، والمنظمات الحقوقية التي تعني بالدفاع عن حقوق الإنسان وحرياته (وهي ثماني وعشرون منظمة مسجلة رسميا لدي وزارة الشئون الاجتماعية وبضع عشرة منظمة لم توفق بعد أوضاعها القانونية).
فأما مؤسسة الرئاسة فالأصل فيها أن لا شأن لها بتفاصيل المواقف والأحداث التي تجري كل يوم في كل بقعة من أرض الوطن. وقد كلف الدستور رئيس الجمهورية (في المادة 73) بالسهر 'علي تأكيد سيادة الشعب وعلي احترام الدستور وسيادة القانون وحماية الوحدة الوطنية والمكاسب الاشتراكية، ويرعي الحدود بين السلطات لضمان تأدية دورها في العمل الوطني'.
والنظر في هذا النص الدستوري المحدد لدور رئيس الدولة يجعل صمت مؤسسة الرئاسة في واقعة تفصيلية، كواقعتي وفاء قسطنطين وماري عبدالله، صمتا في محله. لكن الملابسات التي أحاطت بهاتين الواقعتين، أو بإحداهما، تجعل التساؤل عن مدي جواز هذا الصمت ابتداء واستمرارا تساؤلا مشروعا.
من هذه الملابسات ما نشر في عدد من الصحف المصرية والعربية، ووسائل الإعلام الأخري من أن تسليم السيدة /وفاء قسطنطين إلي الكنيسة الأرثوذكسية تم بأمر مباشر من رئيس الجمهورية شخصيا (الحياة : 29/12/2004 ص 17). صحيح أن الكاتب الأستاذ مدحت أبو الفضل المحامي وصف هذه الأخبار بأنها 'إشاعة مغرضة' (إن كان عنوان المقال من صنعه) ووصفها في صلب مقاله بأنها 'إشاعة غير معقولة وتستوجب النفي، لأنها تحط من قدر النظام، إذ لو صحت لمثلت حال اختطاف تتم بمعرفة كبار المسئولين في الدولة خارج نطاق الشرعية والقانون'. لكن هذا الاستبعاد من هذا الكاتب الوطني، الذي يعرف حكم القانون ويلتزم به فيما يكتب، لا ينفي أن آخرين ممن كانوا علي صلة مباشرة بالواقعة ذكروا إجراء اتصالات بمؤسسة الرئاسة، وبأشخاص معينين من كبار العاملين المقربين من الرئيس فيها. وهذه الملابسة كانت ولاتزال تقتضي تصريحا واضحا يضع الأمور في نصابها ويوقف الناس علي حقيقتها التي يتطلعون إلي معرفتها.
ومن هذه الملابسات التي اقتضت تصريح مؤسسة الرئاسة بقول فصل في الأمر ما تردد علي ألسنة وأقلام كثيرة، منها للأسف ألسنة بعض كبار ذوي المناصب القانونية في الدولة، من اشارة إلي أن ما تم تمٌî بناء علي القانون، أو تنفيدا له. والحاصل الذي أشرت إليه غير مرة (آخرها في مقالي في هذه الصحيفة بتاريخ 17/1/2005) أنه ليس في مصر قانون ينظم الدخول في الإسلام، وليس في مصر قانون يجيز تسليم مواطن كامل الأهلية أيا كان جنسه (أعني الذكورة والأنوثة) أو دينه إلي من لا ولاية له عليه، بل ليس في مصر قانون يجعل لأحد ولاية من أي نوع علي المواطن العاقل البالغ ذي الأهلية الكاملة.
وواجب رئيس الجمهورية الدستوري في السهر علي احترام سيادة القانون كان ولايزال يوجب علي مؤسسة الرئاسة أن تقول قولا صريحا فصلا في هذا الشأن لئلا يظن الناس بنظامنا القانوني الظنون، ولئلا يستمرئ ذوو الغرض والهوي وهم كثيرون الزعم بأن القانون في الصف الذي هم فيه وأنه يؤيد ما يفعلون أو يطلبون، مادام الأمر يمضي مضي الريح بين الجدران: يïرîي أثرها ولا يستطيع أن يمسك بها أحد.
وأما المؤسسة الدينية فالشعبة المعنية منها هنا هي الأزهر الشريف، ومجمع البحوث الإسلامية فيه (الذي حل محل هيئة كبار العلماء التي كانت قائمة قبل صدور القانون 103 لسنة 1961). والشعبتان الأخريان من المؤسسة الدينية (الأوقاف والإفتاء) لا تدخلان فيما أريده هنا بالمؤسسة الدينية لأن لكل منهما وظائف حددها القانون ليس من بينها ما يتصل بقضيتي وفاء قسطنطين وماري عبدالله.
والأزهر الشريف يمثله شيخ الأزهر (المادة 6/2 من القانون رقم 103 لسنة 1961 بشأن إعادة تنظيم الأزهر) وشيخ الأزهر هو 'صاحب الرأي في كل ما يتصل بالشؤون الدينية' (المادة 4/1 من القانون المذكور). ومجمع البحوث الإسلامية من واجبه: 'بيان الرأي فيما يجدٌ من مشكلات مذهبية أو اجتماعية تتعلق بالعقيدة، وحمل تبعة الدعوة إلي سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة' (المادة 15/1 من القانون نفسه).
فبحكم هذه النصوص القانونية الواضحة الصريحة كان ينبغي لسيدي الإمام الأكبر شيخ الأزهر أن يدلي بدلوه في مسألة وفاء قسطنطين، وما يجوز أن يفعل بها وما لا يجوز، ومن الذي له حق في طلب شيء يتصل بثبوت إسلامها أو عدم ثبوته ومن الذي لا حق له في ذلك، والواجب علي السلطة التنفيذية في شأنها أن تلتزم به ولا تتنازل عنه، لأن ذلك كله من 'الشؤون الدينية' التي، فضيلة سيدي الإمام الأكبر بحكم القانون واجب الطاعة صاحب الرأي فيها، ليس فيها مباشرة فحسب بل فيما يتصل بها مهما يكن نوع هذه الصلة قوة وضعفا أو قربا وبعدا(!) فلماذا سكت سيدي الإمام الأكبر؟ وكيف ساغ له، وهو الذي يعلًٌم الناس في قراءته لتفسير القرآن الكريم كل يوم في الإذاعة القرآنية مغبة السكوت عن قول الحق، وإثم ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أن يستحبٌî الصمتî ويستجيزه في هذه القضية الدينية؟
وفضيلة سيدي الإمام الأكبر شيخ الأزهر هو الذي يرأس، بحكم منصبه مجمع البحوث الإسلامية (م/18 من قانون الأزهر سالف الذكر) فلو أن فضيلته رأي أنه يسعه بشخصه السكوت عن القول الواجب في هذه القضية، فكيف وسعه، وهو رئيس الهيئة الأزهرية المختصة ببيان الرأي فيما يجد من مشكلات مذهبية أو اجتماعية تتعلق بالعقيدة، أن يترك هذه الهيئة ساكتة لا تتكلم، صامتة لا تبدي رأيا حيث أوجب القانون عليها أن تبديه؟ وكيف ترك أصحاب الفضيلة والسعادة والسماحة أعضاء هذا المجمع دورهم الذي ناطه القانون بهم دون أداء؟ وبأي شيء رأوا أن ذممهم ستبرأ، يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها، من هذا الصمت عندما كان الكلام واجبا لا بحكم الشجاعة الدينية والأدبية المتوافرة فيهم جميعا بلا استثناء ولله المنة والحمد ولكن بحكم القانون الذي ينظم عمل مجمعهم ويحدد له اختصاصه ويبين واجباته
ثم إن سيدي فضيلة الإمام الأكبر قد نسب إليه أنه قال للدكتور مصطفي الفقي إنه مستعد للذهاب معه إلي وفاء قسطنطين 'لأنصحها بأن تفيق إلي رشدها وتعود إلي دينها' (موقع المسلم، وموقع الوفاق، علي الشبكة الدولية للمعلومات، يوم 15/1/2005). وردٌî علماء أزهريون وغير أزهريين، مجمعيون وغير مجمعيين علي هذا القول المنسوب إلي فضيلة سيدي الإمام الأكبر معترضين عليه ومستنكرين صدوره عنه، وناسبين من يفعل ذلك إلي المعصية والخطأ الكبير(!) وقد نالني من العجب مثل ما نال كثيرين قرأوا هذا التصريح المنسوب لشيخ الأزهر، وتصادف أن كان الدكتور مصطفي الفقي يرأس جلسة في ندوة سياسية فكرية أتحدث فيها مع آخرين في يوم نشر هذا الخبر في الموقعين سالفي الذكر، وسألته فروي لي الذي حدث بصورة أخري حاصلها أن الشيخ أبدي استعداده لمحاورة وفاء قسطنطين للتأكد من أنها مسلمة اختيارا لا كïرها ولا إجبارا، وهذا الكلام لا شيء فيه، بل هو عمل صحيح بنص آية الممتحنة 'يأيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن، الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلي الكفار....'إلخ الآية العاشرة من السورة.
لكن النشر الذي نسب الاستعداد المنكر إلي فضيلة سيدي الإمام الأكبر كان في وسائل الإعلام، وعلي الشبكة الدولية للمعلومات، والتصويب الذي ذكره لي الدكتور مصطفي الفقي عندما سألته كان بيني وبينه، لم يسمعه سوانا.
والجدير كان ولا يزال بفضيلة سيدي الإمام الأكبر أن يعلن براءته مما نسبه الخبر المذكور إليه من استعداده لاقناع امرأة أسلمت بالعودة إلي دينها الأول، وأن يكون هذا الإعلان بالوسائل كافة، لا سيما في الصحف وعلي مواقع الشبكة الدولية للمعلومات التي نشرت ذلك الخبر نقلا عن الدكتور مصطفي الفقي، وزعم بعضها أن هذا الكلام قيل 'بالحرف الواحد'! إن السكوت في هذا المقام غير بليغ، ولا يليق بمقام المشيخة الذي يشغله فضيلة سيدي الإمام الأكبر أن ينسب إليه مثل هذا الكلام ويتركه بلا تعليق، صحيح إن من قواعد فقهنا أنه 'لا ينسب إلي ساكت قول' لكن هذه القاعدة تكملها قاعدة تقول: 'السكوت في موضع الحاجة إلي البيان بيان' والتلازم بين القاعدتين مسلٌîمى حتي إن واضعي مجلة الأحكام العدلية جعلوهما قاعدة واحدة وجمعوا بينهما بلفظ (لكنٌî) الذي يفيد العطف (أي جمع ما بعدها إلي ما قبلها) والاستدراك معا. لذلك فإن فضيلة الإمام الأكبر مدعوٌى إلي بيان حقيقة ما قاله للدكتور مصطفي الفقي، فوق كونه مدعوا لبيان حكم الدين في مسألة وفاء قسطنطين.
ويتعلق بالإمام الأكبر أيضا واجب بيان آخر خاص بما كان منه في شأن واقعة السيدة ماري عبد الله. فقد نشرت صحيفة (المصري اليوم) علي صفحتها الأولي في عددها الصادر يوم 16/12/2004 خبرا في مربع كبير يتضمن أن فضيلة الشيخ عبد الله مجاور أمين لجنة الفتوي بالأزهر قال: إن السيدة ماري عبد الله زكي زوجة القس لويس نصر عزيز كاهن كنيسة الزاوية الحمراء (كنيسة العذراء) قد ذهبت إلي مشيخة الأزهر وقابلت الدكتور محمد سيد طنطاوي وطلبت منه إشهار إسلامها، وإن الشيخ (شيخ الأزهر) سألها عن السبب الذي دفعها للتفكير في الإسلام فقالت: 'اقتناعها وإيمانها الكامل به' لكنه (أي شيخ الأزهر) قال لها إنه سيدرس ملفها كاملا بالتنسيق مع قيادات الكنيسة (!!) وأضاف كاتب الخبر أن السيدة ماري عبد الله موجودة في دير الأنبا بيشوي بالوادي الجديد.
وقد سألت بنفسي الصديق العزيز نيافة الأنبا موسي، أسقف الشباب، عن قصة هذه السيدة فعزا موقفها إلي مشكلات عائلية مرت بها وأدت إلي محاولتها إشهار إسلامها.
وصحة هذا الأمر لا تعفي فضيلة سيدي الإمام الأكبر من البيان الواجب في شأن دوره في موضوع ماري عبد الله.
إنه ليس من دور شيخ الأزهر قطعا أن ينسق في شأن من يريد الإسلام مع قيادات الكنيسة. وليس من دوره أن يساهم بأي قدر من المساهمة في تسليم من أعلن أمامه أنه مسلم إلي القيادة الدينية التي كان لها شأنه الديني قبل الإسلام.
وفضيلة سيدي الإمام الأكبر يعلم يقينا، وقد كان مفتيا لمصر سنين عددا، أن الافتاء في مصر مطرد منذ أول فتاوي منشورة (فتاوي الإمام الأكبر الشيخ محمد المهدي العباسي المنشورة سنة 1301ه) إلي فتاوي دار الإفتاء التي نشرها فضيلة الإمام الأكبر الشيخ جاد الحق علي جاد الحق، علي أن الإسلام يتحقق بالنطق بالشهادتين وأنه لا يحتاج إلي طريقة رسمية، ولا يتوقف علي شيء آخر، ويكفي فيه الوصول إلي سن التمييز ولا يشترط فيه البلوغ، ولا يتوقف الدخول فيه علي الإشهاد، وأن مناط الإيمان الظاهر هو النطق بالشهادتين، وأن إقرار غير المسلم بالإسلام معتبر شرعا ولو لم يîرًدٍ فيه النطق بالشهادتين (وهذه العبارات كلها من فتاوي الشيخ محمد المهدي العباسي، ج2 باب التعزير والردة: ومن المجلد الثاني من الفتاوي الإسلامية من دار الافتاء المصرية، 1981 ص 621 و 623 و 624 و626 و 627 و 630 و 631 و 632، وهي من فتاوي المشايخ: محمد عبده، وبكري الصدفي، وعبد المجيد سليم، وحسنين محمد مخلوف. وفي المجلد السادس من الفتاوي نفسها فتاوي مماثلة للشيخ حسن مأمون والشيخ أحمد هريدي، رحمهم الله جميعا).
فكيف يجوز لفضيلة الإمام الأكبر، صاحب الرأي في الشؤون الدينية، أن يدرس أمرا متعلقا بمسلم أو مسلمة مع قيادات الكنيسة؟ ومن أي وجه من وجوه الواجب الوظيفي أو وجوه العلم الديني وجد فضيلة الإمام الأكبر أن عليه أو له أن يناقش قيادات الكنيسة في شأن المسلمين؟ وماهي ولايته علي المواطنة المسلمة أو المواطن المسلم سوي النصح والإرشاد عندما يتحقق موجبهما حتي يتولي مناقشة أمره مع قيادات الكنيسة؟
إن هذه الأسئلة وغيرها حائرة علي شفاه المسلمين بلا جواب: وكما قال المستشار الجليل طارق البشري: إن 'الجروح يتعين أن نعمل علي التئامها ولكن يتعين أن تبقي مفتوحة حتي تخرج قيحها كله وتتطهر.. ويتعين بحديثنا أن نحول بين السوابق الباطلة وبين أن تتحول إلي حقوق'