لا يخفى علينا ما يحمله القرآن من إعجاز ، وما يحمله من بلاغة وحكمة ، كيف لا ومنزله البارئ عز وجل .
بينما كنت اقرأ القرآن استوقفتني آيات جدا أدهشتني فقد عالجت رغم قلة عددها مسائل عدة خلال عددها القليل ، واستطاعت أن تلخص خلال أسطر قليلة أشياء نحتاج لصفحات وربما ندوات كثيرة لنوضحها .
(( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون ،، وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضها على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين ،، قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ،، قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبئهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ))
في البداية نرى أن الله عز وجل قد أخبر الملائكة بأنه سيخلق نوع ثالث من الخلائق غير الملائكة والشياطين ، وظيفة هذا النوع إعمار الأرض وإحياء ذكر الله في الأرض ، فأبدى الملائكة الكرام رأيهم ووجهة نظرهم في الموضوع فقالوا متسائلين : يا رب لماذا لم تجعلنا نحن الذين نحمدك ونشكرك ونخلص لك في العبادة نستخلفك في الأرض ، بدلا من أن تجعل آدم وبنيه يعيثون في الأرض فسادا فيقتلون ويفسدون .
كيف كان رد ربنا عز وجل كيف فند رأي الملائكة ، ببساطة شديدة قام المولى عز وجل بتعليم آدم الأسماء كلها ، ثم نادى الملائكة ليريهم مقدرة آدم على التعايش ، فطلب عز وجل من الملائكة إخباره بالأسماء فلم يستطيعوا وبرروا ذلك بقلة علمهم وأن كل علمهم بفضل الله عز وجل ، طلب الله عز وجل من آدم أنت يسرد الأسماء فسردها كلها أمام الملائكة الكرام ، وكان هنا الرد على ما قاله الملائكة الكرام .
ما الذي قد نستفيده من هذه القصة :
أولا / أن الملائكة الكرام تسرعوا بداية وأطلقوا رأيهم في آدم وصلاحيته للعيش والتعايش وسط متغيرات الدنيا ، ولكنهم عندما أدركوا أن رأيهم خطأ تراجعوا عن خطأهم ولم يكابروا واعتذروا بقلة علمهم مقارنة بعلم علام الغيوب عز وجل ، وتجلى اعترافهم بخطأهم حينما سجدوا لآدم عليه السلام في صورة تعكس حسن التصرف وتقبل الصواب.
ثانيا / أن الله عز وجل حينما قرر أن يعمل شيئا عرضه على ملائكته الكرام مع أنه يملك العلم كله ولا يحتاج لرأيهم ، لكن الله عز وجل أراد أن يعلم خلقه كيفية الحوار والأخذ والعطاء في الأمر قبل الإقدام عليه ، ويتجلى هنا عدل الحاكم مع كل من تحت حكمه .
ثالثا / عندما طرح الملائكة الكرام رأيا خاطئا لم يعنفهم بل أراهم الصواب أولا وحاورهم بالمنطق ، فكان أن اقتنع الملائكة الكرام عليهم السلام على العكس من إبليس عليه لعنة الله الذي أبى واستكبر مع رؤيته للواقع والصواب .
رابعا / أن الإنسان ممثلا في آدم عليه السلام أفضل من بقية المخلوقات جمعاء ، وذلك بقدرته على التعلم والتعليم والإستفادة مما تعلمه وطبعا كل ما نتعلمه إنما هو من عند الله عز وجل العليم الخبير .
وهذه بعض الفوائد في هذه الآيات وكما رأينا خلال هذا الدرس الرباني ، للحوار فنون ولتبادل الآراء أصول نزلت في القرآن الكريم قبل أن يفكر فيها الفلاسفة حتى ، فهل يا ترى هناك من يذعن للتوجيهات الربانية
وسبحانك يا رب إنك أنت العلام بكل ما يدور في السر والعلن وسع علمك كل شيء وأنت أحكم الحاكمين .